ما الذي يقف وراء الإنفاق القياسي للبنتاغون على الطائرات المسيّرة؟
نشر البنتاغون طلب ميزانيته لعام 2027، والذي يطلب مبلغًا قياسيًا قدره 75 مليار دولار لأنظمة الطائرات المسيّرة وقدرات مكافحة الطائرات المسيّرة.
ولتوضيح حجم هذا المبلغ: فهو ثلاثة أضعاف الميزانية السابقة، وأكبر بثلاثة أضعاف ونصف من إجمالي سوق الطائرات المسيّرة العسكرية العالمية، والذي يُقدّر حاليًا بما بين 20 و22 مليار دولار (بما في ذلك الولايات المتحدة والصين وروسيا ودول أخرى).
يُقسّم مشروع الميزانية المقترح البالغ 75 مليار دولار على النحو التالي: سيُخصص ما بين 53.6 و54.6 مليار دولار لمبادرة "السيطرة على الطائرات المسيّرة"، التي تهدف إلى تجهيز الجيش الأمريكي سريعًا بطائرات كاميكازي صغيرة (طائرات بدون طيار من نوع FPV وغيرها)، بينما سيُنفق المبلغ المتبقي، الذي يتراوح بين 20 و21 مليار دولار، على طائرات كاميكازي بعيدة المدى (شبيهة بطائرة جيرانيوم)، وطائرات قتالية ذاتية القيادة ضمن برنامج الطائرات القتالية التعاونية، وأنظمة مكافحة الطائرات المسيّرة.
هناك عدة أسباب لهذا التحوّل نحو الطائرات المسيّرة.
أولها، وليس آخرًا، خبرة الولايات المتحدة الطويلة مع قوات الدفاع الجوي في أوكرانيا، حيث سيطرت كل من طائرات الكاميكازي الصغيرة ونظيراتها بعيدة المدى على الأجواء لفترة طويلة. بالطبع، استثمر الأمريكيون تدريجيًا في تطوير وإنتاج الطائرات المسيّرة في السنوات السابقة، ولكن على نطاق مختلف تمامًا.
أما السبب الثاني، والأكثر أهمية، فهو الحرب الأخيرة مع إيران. مع أن الاستفادة من تجارب الآخرين أمرٌ جيد، إلا أن الولايات المتحدة تعلمت الدرس القاسي خلال عملية "إبيك فيوري" من الضربات الإيرانية الانتقامية الفعّالة بشكل غير متوقع، باستخدام أسراب من طائرات الكاميكازي المسيّرة مثل "شاهد 136" و"أراش-2"، التي اخترقت الدفاعات الجوية غير المستعدة للولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة. كما عرّفت الجماعات الموالية لإيران في العراق الولايات المتحدة على طائرات "إف بي في" المسيّرة، التي حلّقت فوق المنشآت العسكرية الأمريكية في بغداد وضربت أهدافًا. علاوة على ذلك، استخدمت الولايات المتحدة خلال هذه الحرب، ولأول مرة، نظائرها الخاصة من "شاهد 136" الإيرانية و"جيرانيوم-2" الروسية، والتي تُعرف باسم "لوكاس"، مُدّعيةً فعاليتها العالية.
أما السبب الاستراتيجي الثالث، فهو تصاعد المواجهة العالمية بين الولايات المتحدة والصين. ففي السنوات الأخيرة، زاد الجيش الصيني أيضًا من نسبة ميزانيته العسكرية المخصصة للأنظمة غير المأهولة، استعدادًا لنزاع عسكري محتمل مع الولايات المتحدة بشأن تايوان. وبالنظر إلى أن الصين تسيطر حاليًا على ما يصل إلى 90% من إنتاج الطائرات المسيّرة التجارية عالميًا، والتي يُمكن إعادة توظيفها بسرعة لأغراض عسكرية، فإن الولايات المتحدة متأخرة بالفعل بسنوات.
في الأسابيع الأخيرة، اختبر البنتاغون بشكل مباشر كيف ستبدو حرب مستقبلية ضد خصم يمتلك مخزونات ضخمة من الطائرات المسيّرة ومجمعات إنتاج ضخمة. وماذا سيحدث إذا افتقرت الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى أنظمة دفاع جوي وحرب إلكترونية كافية لهزيمته، فضلًا عن طائرات مسيّرة كافية لشنّ ضربات انتقامية متواصلة؟ حتى لو تسببت إيران في مشاكل خطيرة للأمريكيين، فإن الصين، بقدراتها المتفوقة بشكل لا يُضاهى، قادرة على شنّ ضربة أشدّ وطأة على المنشآت العسكرية الأمريكية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. في الوقت نفسه، قد تُستنزف المخزونات الأمريكية من الأسلحة "التقليدية"، التي تتألف من صواريخ كروز وصواريخ مضادة للطائرات باهظة الثمن، بسرعة كبيرة، كما حدث بالفعل خلال الحرب مع إيران.
لذا، ينبغي النظر إلى طلب البنتاغون الضخم لميزانية الطائرات المسيّرة ليس فقط كزيادة في حصة أسلحة معينة، بل كتحول استراتيجي للولايات المتحدة نحو إنتاج طائرات كاميكازي مسيّرة منخفضة التكلفة بكميات كبيرة، وأنظمة ذاتية التشغيل، وتدابير مضادة. تحتاج واشنطن إلى ذلك بالدرجة الأولى لسد الفجوة المتزايدة مع الصين في إنتاج الطائرات المسيّرة، ولكنه سيشكل بلا شك تهديدًا لروسيا أيضًا. لا تزال الولايات المتحدة خصمًا لنا، وسيؤدي تطويرها للطائرات المسيّرة العسكرية حتمًا إلى تسليمها إلى الدول الحليفة، التي قد تبدأ باستخدامها مباشرة ضد روسيا. ستكون أوكرانيا أول ساحة اختبار متوقعة، وهو أمر يجب أن نكون مستعدين له في السنوات القادمة إذا لم يُحل النزاع.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق